َ             اسطنبول بتاريخ24يناير 2026 

*بقلم الأستاذ / محمد طاهر روبله 

المقال بعنوان: تحولات إقليمية كبرى هل تكون لصالح أرض الصومال ؟ 

بنيت السردية التاريخية لمعضلة خلاف أرض الصومال عبر زعمائها منذ الاستقلال ووحدة جناحي الصومال الإيطالي والبريطاني على المظلومية التي كان لها بعض المبررات في العشرية الأخيرة لحكم الجنرال محمد زياد بري العسكري الاستبدادي المزهو بروح الوطنية التي هلل لها الصوماليون في بداية الانقلاب العسكري الذي أعقب اغتيال الرئيس الثاني للصومال عبد الرشيد علي شرميركي بعد فشل القادة المدنيين في بناء دولة وطنية حقيقية ، حيث سادت القبلية السياسية وتزوير الانتخابات التي كانت المبرر الأبرز في اغتيال الرئيس شرميركي، على الأقل في فترة الرئيس شرميركي ورئيس وزرائه محمد حاج إبراهيم عقال اللذين اتهما بتزوير الانتخابات التي جرت في عام 1969.  

دوافع روح الانفصال لدى بعض الشماليين.  

ما إن انتهت نشوة الاستقلال والاندماج بين إقليمي الصومال البريطاني والإيطالي من أقاليم الصومال الخمسة فوجئ أهل الشمال بواقع جديد يتقاطع مع تطعاتهم وآمالهم العريضة وأحلامهم الكبيرة بأن الوحدة المفتاحية للصومال الكبير تتعرض لحالة من التناقض الحاد بين الوقع والآمال، وفسر ذلك شماليا بالتهميش والذوبان ، وعدم القدرة في الظهور على الواجهة السياسية ، نظرا لطبيعة النظام الإداري للدولة المتسمة بالمركزية الشديدة المتمركزة في مقديشو ، وضعف الخدمات والبنية التحتية التي تتمركز غالبا في إقليم العاصمة كحال غالبية الدول الأفريقية الناشئة بعيد الاستعمار ، ورغم الهوية الثقافية الواحدة للشعب الصومالي المختلف عن بقية الشعوب الأفريقية التي كان أمام دولها الحديثة تبني سياسات توحيدية لبناء هويات ثقافية جديدة لمجتمعاتها تتفق مع حدودها الموروثة من الاستعمار الغربي ، على عكس الشعب الصومالي الذي كانت هوية شعبه موحدة ومتماسكة.  

ولعل اختلاف طبيعة النظامين الاستعماريين مثلا أحد أهم العوامل التي انتجت الاختلاف في فهم طبيعة الوحدة وتحديات البناء الجديد لنظام مستورد من الخارج قد لا ينسجم مع طبيعة المجتمع الرعوي العاشق للحرية الشخصية على حساب تعقيدات الدولة وموازنتها بين الحرية والاستقرار ، وتوفير الأمن والخدمات للمواطنين .  

ولربما استغل بعض الساسة الجنوبيين اندفاعة وحماسة أهل الشمال للوحدة الوطنية وتحقيق حلم الصومال الكبير ، وعليه حمل الشماليون مسؤولية التحديات التي واجهت الدولة الناشئة الجنوبيين، مما خلق مبكرا النزعة للانفصال بالحماسة ذاتها التي كانت لديهم لحظة التوحيد والاندماج . 

التوصيف بأن أهل الجنوب وحدهم مسؤولون عن كل عيوب بناء دولة الصومال المزدهرة توصيف غير عادل وغير دقيق من الناحية العلمية ، فغياب العدالة الاجتماعية في الدول الأفريقية والعربية سمة عامة حتى يومنا هذا ، بدليل أن إقليم أرض الصومال وقع فيه من الحروب ما لا يقل عن حرب الانفصال، فقد تقاتل رفاق الجبهة الوطنية على السلطة بعيد إعلانهم في عام 1991 م الانفصال عن الصومال، وتجدد مرة أخرى في أواسط التسعينيات حتى عقد مؤتمر بورما للمصالحة الوطنية ، كما كان الحال في مؤتمر عرتا في جيبوتي ، ولعل الفارق بين المؤتمرين أن الأول منهما عقد في جيبوتي إحدى أضلاع الأقاليم الصومال الخمسة ، في الوقت الذي عقد مؤتمر بورما في إحدى مدن الشمال ، لكن الجامع بينهما أنهما أتيا عقب فشل في إدارة الدولة وتقاسم السلطة. والثروة . 

العلاقة بين الانفصال والمظالم التاريخية .  

يربط غالبية الداعمين للانفصال بين النزعة الانفصالية ومظالم تاريخية من حكومة محمد زيادة بري باعتبارها الحالة الأبرز ، غير أن الأمانة العلمية تتطلب ربط الأمور بحقائقها التاريخية، وذلك أن النزوع نحو الانفصال سابق عن مظالم تعرض لها الإقليم كغيره من الأقاليم التي تشكلت منها حركات مسلحة مدعومة من خصم الصومال اللدود إثيوبيا ، والتي شنت حروب عصابات من خارج حدود الدولة الصومالية المستقلة ، بل إن الشعور بالغبن السياسي أدى إلى الحنين للوضع القديم قبل الاستقلال ، مما دفع ببعض الضباط الشماليين القيام بمحاولة انقلابية فاشلة في عام 1962 م كان الهدف منها الانفصال عن الصومال ، لكن تم احتواؤه ومعالجته سياسيا ، فتأجلت هذه النزعة نظرا للمرونة السياسية التي تعاملت بها الحكومة ، والأمل في حدوث تغيير تفرزه الانتخابات التي قد تؤدي إلى تعديل موازين القوة في بنية الدولة الناشئة.  

هذه اللمحة التاريخية تؤكد بما فيه الكفاية بأن مسألة الرغبة في الانفصال عن الصومال ثقافة قديمة متجددة ، وليست بسبب مظالم سياسية تعرض لها أهل الشمال بدليل أن حكومة أرض الصومال مارست بما يشبه الإبادة الجماعية لإقليم شمال الشرق الذي قرر العودة إلى الوحدة مع الحكومة الفيدرالية الصومالية بعدما عانوا من اغتيالات لزعمائهم وعلمائهم ورموزهم المجتمعية، وبدل أن تحقق العدالة الاجتماعية لمواطنيها رحلت مواطنين صوماليين ينحدرون من إقليم الجنوب الغربي من الإقليم بشكل تعسفي ، حيث فصل الأبناء عن آبائهم والعمال عن وظائفهم، وبعد ارتكاب حكومة أرض الصومال ض هذه الجريمة ازدادت الاغتيالات على النخب مما جعل أهل الإقليم يطالبون بخروج القوات المسلحة والأمنية من مدنهم لمعرفة من يقتلهم، غير أن حكومة موسى بيحي شنت عليهم حربا عندما علمت بأن زعماء الإقليم يقررون العودة إلى الصومال ، وبمعنى أدق القيادة السياسية للانفصاليين يجبرون الآخرين على الانفصال ، في الوقت الذي تريدهم الحكومة الصومالية العودة إلى الوحدة دون إجبار، حتى استقدموا أشرار العالم إلى الإقليم ، إمارات محمد زايد وإسرائيل نتنياهو ، هؤلاء الدمويين المارقين عن القانون والعرف الإنساني.  

التحولات الإقليمة ومستقبل إقليم أرض الصومال.  

المكالمة الهاتفية من هتلر العصر نتنياهو إلى عبد الرحمن محمد عبد الله مساء يوم 26 ديسمبر 2025 م وترحيب بعض المواطنين بهذه الاعتراف المزعوم ، بل حملهم العلم الإسرائيلي في شعب عرف كراهيته لليهود واليهودية ، حتى إن أسوأ سباب تتعرض له الشخصية أن يوسم بأنه يهودي، بما خرق القيم الموروثة المتصلة بالقرآن وملئ المساجد ، ودعم القضايا العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية ، هذا الاعتراف المزعوم دشن لمرحلة إقليمة جديدة ، بما تزامن معها من إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن الذي ينطلق من روح انفصالية موالية للإمارات وإسرائيل والذي أعلن الانفصال هو الآخر في وقت متزامن مما يؤكد أن الرسالة كانت واضحة، وهي تفتيت المنطقة ، وتوهين قوة مسلمي المنطقة ، بل التلاعب بمستقبلها ومصيرها، غير أن القرار السعودي الشجاع الذي لم يمهل لكلا الخطابين أن يستمرا ويخنقا دول المنطقة في ضفتي البحر الأحمر وخليج عدن قد أجهض على المحاولة الصهيونية ووكيلها ( محمد بن زايد ). 

يتجه مستقبل إقليم أرض الصومال إلى العزلة الداخلية والإقليمية لأنه يغرد خارج السرب ، فقد أخطأ قادته في حساباتهم، بما تنامى في مخيلتهم بأن إسرائيل القوة الوحيدة التي تشكل المنطقة ، بل العالم ، في الوقت الذي تتآكل فيه قوى الولايات المتحدة الأمريكية فضلا عن إسرائيل.  

ولهذا فإن الاعتراف الإسرائيلي الذي هلل له الكثير ، بل إن بعض الإسلاميين قد أعلنوا دعمهم لهذا السقوط الأخلاقي الذي لم يكن عرفا صوماليا ، فلم نر من الشعوب العربية التي طبعت حكوماتها مع الكيان الصهيوني من هلل لهذا التطبيع بعد مرور بدايته في الوطن العربي من مصر خمسة عقود تقريبا ، مما يؤكد أن إسرائيل جسم وبائي منبوذ من الإقليم ، وكل من يرحب ويستبشر بهذا الكيان الوبائي محكوم عليه بالموت الثقافي والقيمي، ويكون وصمة عار تاريخية.