بقلم الأستاذ محمد طاهر روبله*
التوصيف العام للواقع الحالي لأرض الصومال
تمهيد : الخلفية التاريخية للتكوين السياسي للشعب الصومالي في المنطقة.
هناك سؤال جوهري يجب طرحه لفهم ما هو حادث حاليا في أرض الصومال سياسيا واجتماعيا: وهو ما الذي دفع حكومة أرض الصومال أن ترتمي في أحضان إسرائيل في زمن انكسارها الاستراتيجي، وكيف وصل شعب الإقليم، وبالأخص القبيلة الوسطى في التعريف الصومالي إلى أن تهلل لهذا الاعتراف من طرف موغل في دماء إخوانهم الذين جمعوا لهم التبرعات طوال حرب الإبادة في غزة؟
للإجابة عن هذا التساؤل يجب علينا الغوص في أعماق تاريخ تأسيس الدولة الصومالية الكبرى من الأقاليم الخمسة التي قسم بها الصوماليون في معاهدة برلين عام 1884 م ، حيث تمّ تجزئة الشعب الصومالي العنيد في رفضه للهيمنة الخارجية منذ ستة قرون خلت إلى خمسة أقاليم تابعة لثلاث دول استعمارية خارجية ( بريطانيا، فرنسا، إيطاليا ) واستعمار محلّي هو امبراطورية أباسينيا ( إثيوبيا ) الحالية ، التي شاركت في مؤتمر برلين السيئ الذكر، ونالت هي الأخرى حصتها من هذه التركة الصومالية - في العرف الاستعماري - إقليم الصومال الغربي حسب التعريف الصومالي والخامس حسب التعريف الإثيوبي، كما أخذت فرنسا إقليم الساحل الصومالي الفرنسي ( جيبوتي ) حاليا، في الوقت الذي تقاسمت كل من بريطانيا وإيطاليا الأجزاء الثلاثة الأخرى، نالت بريطانيا حصة شمال الصومال ( أرض الصومال ) حاليا، وإقليم شمال شرق كينيا (أنفدي)، في الوقت الذي حازت إيطاليا ( الأقاليم الشرقية والوسطى والجنوبية ) ونتيجة لهذا التقسيم حمل الصوماليون نضالا متعدد الأوجه والأشكال يستهدف استعادة كلّ هذه الأقاليم وإدماجها في كيان واحد يحقق طموحات الشعب الصومالي في منطقة القرن الأفريقي ، أو بمعنى أدق العمل على تحرير هذه الأقاليم وتأسيس الدولة الصومالية الواحدة ( الصومال الكبرى ) فاجتمع في عام 1958 م - في فترة الانتداب الإيطالي للجزء الجنوبي لمدة عشر سنوات تبدأ من عام 1950- 1960 م تدرب إيطاليا الكوادر الأمنية والشرطية والإدارية لاستلام الدولة الحديثة حسب تعبير الاستعمار الغربي قبيل انجلائه من أراضي الغير - ثلاثة من القيادات الصومالية التي كانت تمثل آنذاك ثلاثة أقاليم تحديدا ( الصومال الإيطالي " محمود عيسى" والصومال الفرنسي " محمود حربي " والصومال البريطاني " محمد حاج إبراهيم عجال" وهذا الاجتماع موجود في الوثائق البريطانية التي رفعت السرية عنها، ولقد قدر لي أن رأيت صورة لمحمد حاج إبراهيم عجال ومحمود عيسى يستقبلان محمود حربي في عام 1958 م في مطار مقديشو، وكان مما تمّ الاتفاق عليه جعل ثمرة النضال التحريري للشعب الصومالي في توحيده ضمن إطار دولة واحدة ، فأغضبت هذه الخطوة الدول الاستعمارية الثلاثة فعقدت تلك الدول اجتماعا للتعامل مع هذه التوجه الجديد التوحيدي الذي رأوه تهديدا لمصالحهم الاستراتيجية في المنطقة ، فتوصلوا إلى ضرورة إجهاض هذه المحاولة التوحيدية، غير أنّهم لم يتفقوا في الآلية التي يستخدمونها في هذا التوجه، وكان رأي بريطانيا وإيطاليا مواجهة هذا التوجه التوحيدي الصومالي بالإفشال السياسي بعيد نيل الاستقلال، بحيث تصبح الأقاليم التي تتحرر أولا عبئا سياسيا على هذه النّخب المؤمنة بالنّضال والوحدة الوطنية، بإجهاض هذه الطموحات الكبيرة، غير أنّ فرنسا كان لها رأي آخر وهو القضاء والتصفية الجسدية للزعيم الذي يمثل إقليم الساحل الصومالي الفرنسي ، والذي تمّ تحقيقه باغتيال محمود حربي في حادثة يلفها الغموض في كيفية سقوط طائرته في عرض المحيط الهندي، كما تؤكده أصح الروايات عن كيفية موته الغامض.
هذا التمهيد يؤكد الولادة القيصرية للدولة الصومالية المولودة من إقليمين، حملا عبئ البحث عن الأقاليم الباقية تحت الاحتلال الإقليمي والخارجي، فعملية توحد الإقليمين البريطاني والإيطالي لم يكن توحد دولتين قامتا بهدف سيادي لكل منهما، وإنّما كان تتويجا لهذا الطموح الصومالي الكبير لبناء دولة صومالية توحد كلّ الأقاليم الصومالية في القرن الأفريقي ،
والرواية غير المنسقة التي سوقتها جبهة التحرير الوطني من الشمال الصومالي بأنّ الوحدة الصومالية تمت بين دولتين صوماليتين استقلتا من استعمارين مختلفين كالوحدة بين مصر وسوريا في الخمسينات هي رواية أبعد عن الحقيقة ومسيّسة إلى حد كبير، وهو ما نجحت في تسويقه في وجدان الأجيال اللاحقة، غير أنّ الحقيقة التاريخية النّاصعة أنّ الوحدة بين الإقليمين كانت تتويجا لنضال كفاح
1:طويل لكلّ أبناء الشعب الصومالي في الإقليم، وذلك للأدلة التالية
استقبال كل من عبد الله عيسي ومحمد حاج إبراهيم عجال لمحمود حربي في مطار مقديشو وعقد اجتماع ثلاثي أغاض الدول الاستعمارية ، مما يؤكد أنّ الطموح الصومالي في كلّ الأقاليم كان موحدا في تكوين دولة صومالية واحدة.
2 .
قيادة محمد حاج إبراهيم عجال وفدا صوماليا من أهل الشمال لمقابلة ملك إثيوبيا ( هيلاسيلاسي ) قبيل الاستقلال والذي طالبوا فيه بمنحهم الأراضي الصومالية التي أخذها بموجب معاهدة برلين المشؤومة، ورد الملك الإثيوبي بأنّهم أيضا من رعاياه غير أنّهم مخدوعون من الأوروبيين.
وهنا يجب طرح السؤال المشروع : ما الذي كان يسعاه محمد حاج إبراهيم عجال ومن معه لتحقيقه لولا تحقيق رغبة الشعب الشعب الصومالي في تكوين دولة موحدة لأقاليمه.
3 .
أنّ الحكومة الصومالية وقعت اتفاقية التنازل عن إقليم الشمال الشرقي في كينيا عام 1967م بتوقيع رئيس الوزراء آنذاك محمد حاج إبراهيم عجال، بعد اندلاع حرب بين الصومال وكينيا في عام 1963 م.
اتفاقية التنازل هذه عن إقليم طالما شكّل جزءا من الهوية التأسيسية للدولة المرتقبة للشعب الصومالي واجهت رفضا شعبيا سواء من سكان الإقليم أو الأقاليم الأخرى، باعتبارها إلغاءا لحقهم الطبيعي في الانضمام إلى الصومال الكبير، وعلى إثره شكّل سكان الإقليم مليشيات مسلحة سمتهم كينيا ( بالشفتو) أي قطاع الطرق، وصوماليا مناضلون من أجل نيل حقوقهم وهذا يؤكد أنّ الإقليم كان جزءا من الدولة الصومالية الموعودة.
4 .
النزعة الصومالية القوية لتكوين دولة صومالية تمثل هوية شعبه الثقافية ومصالحه القومية، وهو ما تؤكده الحروب التي خاضتها الدولة الصومالية بعيد استقلالها مع كلّ من كينيا وإثيوبيا في حروب حملت عنوان توحيد الشعب الصومالي فدخلت في حرب مع كينيا في عام 1963 م ، ورغم توقيع اتفاقية التنازل عن هذا الإقليم لكينيا والتي وقعت في مدينة عروشا في تنزانيا ممثلا عن الصومال رئيس وزرائها آنذاك محمد حاج إبراهيم عقال في عام 1967 م، إلا أنّ سكان الإقليم لم يعترفوا بهذه المعاهدة حيث حملوا السلاح ضد الحكومة الكينية طلبا للانضمام للدولة الصومالية التي كانوا يعتبرونها دولتهم الحقيقية، كما اعتبر الكثير من الصوماليين بهذه المعاهدة مع كينيا خيانة وتفريطا بأرض صومالية ، وقد سمت الحكومة الكينية هؤلاء الثوار بالشفتا ( وتعني عصابات وقطاع طرق)، كما استعارت إثيوبيا هذا المصطلح من كينيا في تعاملها مع ثوار الإقليم الصومالي في إثيوبيا.
كما خاصت الدولة الصومالية حربين مع إثيوبيا كانت الأولى في عام 1964 م أي بعيد الاستقلال بأربع سنوات أو بالأحرى السنة التي تلت الحرب بين الصومال وكينيا، وكانت الحرب الكبرى بين الصومال وإثيوبيا بين عامي 1977- 1978 م ، وقد شهدت شخصيا هذه الحرب في جميع فصولها وأنا ما زلت فتى يافعا، وكنا نرى اندفاعة القوات الصومالية واستبسالها العظيم في هذه الحرب التي كانوا يؤمنون أنّهم مجاهدون لتحرير أراضي المسلمين عن كفار الهضبة ( يعني المسيحيين ) ورغم الفارق العددي بين الجيشين كانت القوات الصومالية اجتاحت في زمن قياسي معظم أراضي الإقليم ، حتى قارب الجيش الصومالي مشارف أديس أبابا من جهة الجنوب، غير أنّ الفشل كان لهذه الحرب سياسيا بامتياز، أو خطأ في فهم حسابات التحالفات الدولية إبان الحرب الباردة ومصالح المنظومة الغربية والشرقية في إثيوبيا.
كما عملت الصومال بشكل لافت دعم نضال الشعب الجيبوتي ضد فرنسا مما أجبرها على الرضوخ للمطالب العادلة على أنّ هذا الإقليم سيكون جزءا مكونا من الدولة الصومالية غير أنّ حسابات فرنسا وبعض السياسيين الموالين لها كان لهم حسابات أخرى انقلبت بموجبه على ثمار النضال الشعبي في جيبوتي.
وبعد إجبار الجيش الصومالي على الانسحاب من الإقليم ووقوع محاولة انقلابية فاشلة على الرئيس محمد زياد بري، خرجت أول جبهة مسلّحة ضد الحكومة الصومالية منطلقة من الأراضي الإثيوبية ، بمعنى أن الضباط الذين حاربوا إثيوبيا لمدة عامين لتحرير إقليم صومالي محتل الآن يجعلون أديس أبابا مقرا ومنطلقا لهم للاستيلاء على السلطة في مقديشو، هذه المفارقة أصبحت السمة العامة للمعارضة المسلّحة ضد نظام الحكم آنذاك، وأولئك الضباط الذين قاموا بالعملية الانقلابية الفاشلة، كان ينتمي كلّهم إلى ولاية ( بونت لاند ) حاليا أي من قبيلة مجيرتين ( فرع ) من قبائل الدارود، وبعدها بثلاث سنوات انطلقت مجموعة أخرى من الضباط من إقليم أرض الصومال للحجة ذاتها إسقاط حكومة محمد زياد بري وهم أيضا من قبيلة واحدة ( قبيلة إسحاق ) غير أنّ هذه الجبهة كان هدف خروجها مختلفا عن الجبهة الأولى وهو حكم الصومال، بل كانت الأخيرة تستهدف الانفصال عن الصومال، وهي الجبهة التي استلمت السلطة في الإقليم بعد انهيار حكومة بري ، وأعلنت انفصال الأقاليم الشمالية عن بقية الصومال في عام 1991م.
تحوّل فكري أم انفصال سياسي؟
ضخت جبهة التحرير الوطني في وجدان الشعب طيلة أربع وثلاثين عاما فكرة تعرّض الإقليم لمظالم سياسية وأخرى اقتصادية وتهميشا متعمدا من الأقاليم الصومالية الأخرى، ثم ما يشبه الإبادة الجماعة من حكومة بري، وعليه لا يمكن أن يعيشوا بوئام مع بقية الصومال، ولذا فإنّ الانفصال هو الخط الاستراتيجي الوحيد لسكان الإقليم، وفي رسالة منسوبة للرئيس الثاني للإقليم ورئيس وزراء الصومال الأسبق محمد حاج إبراهيم عقال يطلب فيها اعتراف إسرائيل بأرض الصومال لكونها الدولة الأولى التي اعترف بالإقليم ليلة انجلاء الاستعمار البريطاني من الإقليم تفوح منها رائحة الارتماء في أحضان إسرائيل، وأنّ هناك مشتركات ثقافية بين الشعبين، ورغم أنّنا لا نملك ما يمكن التصديق به أو تكذيبه لهذه الرسالة المنسوبة له غير أنّنا شاهدنا مقابلة متلفزة له يقول فيها بأننا " مستعدون أن نتحالف حتى مع الشيطان" ، هذه المقولة تمّ تسويقها بشكل عميق في ذاكرة الأجيال المتعاقبة حتى تكونت عقيدة شعبية عامة بأنّ الانفصال مقدس والوحدة مدنسة ، مقابل مصطلح بقية الأقاليم الصومالية الأخرى بأن الوحدة مقدسة والانفصال مدنس.
وعلى هذه الأجواء جاء الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال التي انفصل عنها إقليم شمال الشرق الذي تعرّض هو الآخر من حكومة أرض الصومال في ولاية الرئيس محمد موسى بيحي لجرائم يمكن أن ترقى للإبادة الجماعية، جرائم أشدّ وأنكي من التي تنسب لحكومة محمد زياد بري، ولولا هزيمة مسلّحي إقليم لاسعانود جيش أرض الصومال في 25 من شهر أغسطس 2023 م لارتبكت قوات موسى بيحي جرائم ضد الإنسانية لسكان الإقليم، والمبرر الذي بموجبه شنت قوات أرض الصومال هجومها على سكان الإقليم كونه يسعى للانضمام إلى الوحدة الصومالية المقدسة في نظرهم، ولعلّ هذا الصراع الأخير خفض مقولة أن محمد زياد بري مارس العنف ضد سكان أرض الصومال كونهم ينتمون إلى القبيلة الوسطى، كما دحض نظرية سبب عنف الدولة المركزية الصومالية في عهد زياد بري بأنّه كان انتقائيا وذو خلفية قبلية، ويصح من ناحية الأمانة العلمية بأنّ الشعب الصومالي فشلت دولته بشكل عام بعيد استقلالها بسبب ضعف ثقافة الدولة في وجدان الشعب الصومالي بدليل أنّ كلّ الأقاليم الصومالية اليوم تتناحر قبائلها بما فيهم إقليم أرض الصومال الذي انفصل عنه إقليم شمال الشرق، وتدور حاليا رحى حرب أهلية في إقليم أودل وسلل، مما يؤكد ضعف بنية ثقافة الدولة في المجتمع الصومالي في كلّ الأقاليم التي شكلت الدولة الصومالية والأقاليم التي بقيت في إطار دولة مستقلة ( جيبوتي) مثلا ، والتي بقيت في إطار دول الجوار.
فشل مشروع الإسلاميين السياسي
في الوقت الذي نجحت سردية رسالة جبهة التحرير الوطني الشمالية في مخيال الأجيال المتعاقبة منذ حملها السلاح ضد الحكومة الصومالية المركزية في عهد زياد بري بهدف الانفصال عن الصومال كما وردت في مذكرات الرئيس الأسبق عبد الله يوسف أحمد الذي كان من أوائل الضباط الذين قادوا عملية انقلابية ضد زياد بري وبعد فشله حملوا السلاح انطلاقا من الأراضي الإثيوبية التي حاربوها بين عامي 1977-1978 م ، وكان ذلك أول اختراق للمحظور الصومالي بأن من يكوّن علاقة ما مع إثيوبيا فهو عميل غير وطني ، غير أنّ أول جبهة حملت السلاح ضد حكومة بري كانت تهدف لإسقاطه عن السلطة والاستيلاء عليها بالقوة ذاتها التي استولى عليها بري نفسه السلطة، وهي التي شرعنت سنة أن تتشكل أي جبهة مسلحة بعدها أن تكون من قبيلة واحدة، غير أنّ نية جبهة التحرير الوطني التي كانت أيضا تتشكل غالبيتها العظمى من قبيلة واحدة أسوة بالجبهة الأولى كان الانفصال هو هدفها من حمل السلاح وهو الذي تمّ بعد انهيار حكومة بري في مقديشو في عام 1991 م.
وخلال ثلاثين عاما من إعلان الانفصال من طرف واحد ركزت الجبهة على تقديس الانفصال أو استعادة الاستقلال من الجنوب حسب مصطلحها حتى ذهب بعض سياسي الإقليم إلى مقولات منها أنّ أديس أبابا أقرب إلينا من مقديشو ، وأنّ من يذهب سياسيا لمقديشو فهو معرّض للاعتقال إلى أن يعلن توبته السياسية، هذه المقولات والسياسات هي التي مهدت الترحيب بالإسرائيليين رغم كراهية سكان الإقليم لإسرائيل وجرائمها بدليل المظاهرات ضد جرائمها في غزة، وكذلك جمع التبرعات لها في حملات علنية يشارك فيها حتى السياسيون على عكس الحظر المفروض في جيبوتي على أي إظهار لدعم غزة وفلسطين وجمع التبراعات لها بشكل معلن بعيدا عن الحكومة.
تناقض في المظهر والمضمون.
ورغم أنّ الخطاب الإسلامي تنامي خلال ثلاثين سنة الماضية في الإقليم وبروز التدين كحالة عامة من حيث الالتزام الديني في الشعائر والقيم العامة إلا أنّ هذا الخطاب لم يشكل وجهة نظر سياسية تتقاطع مع خطاب جبهة التحرير الوطني، ويمكن القول بأنّ الخطاب الإسلامي بقي في إطار الوعظ والتوجيه الديني ولم يشكل قناعة وفكر مجتمعي مستقلّ عن خطاب السياسيين الطامحين في السلطة والمتصارعين مع سياسي الجنوب، هذه في نظري كانت الحلقة المفقودة التي أوصلتنا إلى الثناء على الإسرائيليين والترحيب بهم مما أوقع المسلمين في المنطقة في حرج شديد، كيف يمكن الجمع بين التديّن الشديد في المجتمع والترحيب والاندماج مع الإسرائيليين.
هذا التناقض الكبير بين المظهر والمضمون يستدعي من الإسلاميين في الإقليم بشكل خاص مراجعة خطابهم، ولعلّ أقل ما يمكن القيام به للتكفير عن خطيئتهم إعلان صريح بشكل جماعي عن معارضتهم الشديدة للاختراق الصهيوني للمجتمع المسلم، والاستعداد لدفع الثمن السياسي فيء ذلك، وتوجيه الشباب من جديد الذين فقدوا البوصلة الحقيقية والوعي الكافي للفصل بين المخالف لك في
الرأي والعدو الاستراتيجي
*
الإستاذ محمد طاهر روبله كاتب وباحث ومستشار لمركزالقرن للتنمية
والاستشارات
نبذة موجزة عن المجال التاريخي لمنطقة القرن الإفريقي
ننشر في السطور التالية محطات ومقتطفات من تاريخ منطقة القرن الإفريقي بصورة علمية وموضوعية مستفيدين ما صحّ من المصادر والمراجع في هذا الخصوص على أمل أن يكون ما ننشره نافعا ومساهما لتنمية الوعي بالذات وتقوية الذاكرة لشعوب المنطقة خاصة ولكل متابع ومهتم بهذا الجزء من القارة الأفريقية
وفيما يلي نعرض لبعض المواضيع بصورة موجزة غير مخلة
حول جذور منطقة القرن الإفريقي
جغرافيا
ونعني بمصطلح القرن الإفريقي هنا الدول المحاذية للبحر الأحمر غربا والواقعة في شرق القارة الإفريقية والتي تشمل كلا من السودان واثيوبيا وارتيريا وجيبوتي والصومال
يقول العلامة بن خلدون في مقدمته: وهو يصف جغرافية المنطقة قديما ويحدد في نفس الوقت بعض المناطق المجاورة لها
وفي الجزء السادس من هذا الإقليم فيما بين البحرين الهابطين من هذا البحر الهندي إلى جهة الشمال وهما بحر القلزم أي الأحمر وبحر فارس وفيما بينهما جزيرة العرب وأما الذي على ساحل هذا البحر أي الأحمر على غربيه فبلد زالغ وفي بعض النسخ زالع من أطراف بلاد الحبشة ومجالات البجة في شمال الحبشة ما بين جبل العلاقي الذي في أعالي الصعيد وبين بحر القلزم الهابط من البحر الهندي
نجد في هذا الوصف الذي عرضه العلامة بن خلدون أنه يتضمن حدود بلاد البجة التي تمتد ما بين جبل العلاقي شمالا وكان هذا الجبل الحد الفاصل بين بلاد البجة وبلاد النوبة من أهالي السودان حالياً, كما تمتد مناطق البجة على ساحل البحر الأحمر وإلى جنوبها تقع بلاد الحبشة أي اثيوبيا حاليا حيث ذكر بأنها تمتد من بلاد البجة شمالاً وحتى مدينة زيلع جنوباً والتي هي من بلاد الصومال حاليا.
ومن الثابت تاريخا أن المملكة الإثيوبية قامت في بداية أمرها بأكسوم ثم تحولت بعد سقوط أكسوم إلى العمق متخذة قاعدة حكمها أي عاصمتها أنكوبر الواقعة في الهضبة المرتفعة بينما لم تبسط سيطرتها ولم تحكم سياسيا المنطقة ما دون الهضبة المرتفعة والممتدة حتى سواحل البحر الأحمر.
ومن الجائز القول أيضا بأن العلامة بن الخلدون إنما قصد بحدود الحبشة في هذا النص المذكوربمعناها الجغرافي القديم حيث كان اسم الحبشة علما أو إطلاقا عاما اشتهرت به هذه المنطقة بجزئيها المسحي والإسلامي.
ومع ذلك فإن هذا التوصيف لحدود الجغرافية للحبشة قديما أي أثيوبيا أقرب إلى الدقة بالمقارنة إلى بعض الكتابات اليونانية القديمة حيث كانوا يطلقون على الحبشة باسم إثيوبيا والتي تعني بلاد ذوي الوجوه المحروقة الممتدة من جنوب أسوان أي جنوب مصر شمالا وحتى الهند جنوبا كما يطلقون عليها بلاد القس جون والممتد على طول ساحل البحر الأحمر من جنوب مصر وحتى الهند
ثم نتابع العلامة بن خلدون وهو يصف البلاد الواقعة ما وراء حدود الحبشة خاصة من جهتها الجنوبية حيث يقول
وفي جهة الجنوب من بلد زالغ أو زالع أي زيلع حاليا وعلى ساحل هذا البحر من غربيه قرى بربر يتلو بعضها بعضا ويليها هنالك من جهة شرقيها بلاد الزنج وبعدها مدينة مقديشو وهي مدينة مستبحرة العمارة بدوية الأحوال كثيرة البحار
منطقة القرن الإفريقي وعلاقاتها بالعالم عبر التاريخ
هذا الموقع الحيوي الذي تحتله هذه المنطقة المتمثل على طول الساحل الغربي للبحر الأحمر رشحها بأن تصبح عبر التاريخ أحد الممرات الرئيسية الذي يربط القارة الإفريقية بتجارة الهند والشرق الأقصى كما يتوسط بينهما وبين منتجات عالم البحر الأبيض المتوسط
ولهذا فقد ذكر المؤرخون بوجود علاقات تجارية بين قدماء المصريين وبين أهالي المنطقة
ويذكر أنه في ذروة عصر الفراعنة بعث فرعون ساهور أول سفن مصرية إلى المنطقة حوالي ثلاث آلاف سنة قبل الميلاد، وكان الفراعنة يطلقون على هذا الجزء من القارة الإفريقية ببلاد البنت أي أرض الآلهة ذلك لأنهم كانوا يجلبون منها اللبان الذي يستخدمونه لبخور آلهتهم كما كانوا يجلبون منها المرَ وغيرهما من البضائع
غيرأن هذه العلاقة وهذا التبادل التجاري وصل ذروته في عهد ملكة حتشيبسوت – وهي الأسرة الثامنة عشر التي حكمت مصر- حيث قادت هذه الملكة بنفسها رحلة إلى بلاد البنت وكان ذلك في بداية القرن الخامس عشر قبل الميلاد وتوجد تفاصيل هذه الرحلة منقوشة في احدى جدران الآثار الفرعونية والمعروفة بالدير البحري.
وقد استطاع علماء الآثار كشف هذه الرموز والمنقوشات فوجدوا أنها تتضمن وصفا ًلبلاد البنت وإنسان المنطقة وطريقة حياته ولبسه
ومن الثابت أن رحلة الفراعنة جرت في منطقة تقع في الساحل الإفريقي للبحر الاحمر غير أن مكان بلاد البنت غير مؤكد، لكن من المحتمل أن يكون موقعها ضمن مناطق الصومال الوسطى حيث يوجد بها إقليم مشهور حتى الآن بأرض البنت.
ومعلوم أن الساحل الإفريقي المحاذي للبحر الأحمر من الغرب كان أحد أهم الطرق للتبادل التجاري الضارب في القدم ، وعلى طول هذا الساحل اشتهرت موانئ عدة تقصدها السفن التجارية
وقد حفلت سجلات قدماء البحارة بذكرها وتوصيفها ومن هؤلاء قدماء الفراعنة كما أشرنا سابقاً والإغريق والرومان
والبطالمة خاصة عند حكمهم لمصر حيث كان لديهم علاقات تجارية مع المنطقة.ولهذانجد الوصف الدقيق لسواحل وموانئ البحر الأحمرالذي قدمه صاحب الرحلة إلى أرتيريا المجهول الاسم في القرن الأول الميلادي حيث قدم وصفه هذا لإرشاد البحارة وللأغراض التجارية وغيرهما ، ومن الموانئ التي ذكرها:
Adulis (zulla) , Avlitès(zeila) ,Malao (Berbera) Mundus( Bender Hais) ,Mosyllum(Ras Hantara)Cap Gardafui ( Cap Aromates) et Arsinoe…
وكانت هذه الموانئ مزدهرة منذ ذلك التاريخ ومعروفة مواقعها، وما عدا ميناء عدوليس الذي يقع في إريتريا فإن جل الموانئ التي ذكرها تقع على طول الساحل الصومالي غير أن ميناء أرسينوي السالف ذكره لم يحدد موقعه بعد بيد أنه من المحتمل أن يكون هو ميناء أبخ بجيبوتي أو عصب بأريتريا
ومما تجدر إليه الإشارة أن هناك مواني شهيرة غير التي ذكرها صاحب الرحلة إلى إرتريا وكلها ممتدة على طول الساحل الغربي للبحر الأحمروصولا إلى أقصى شرق إفريقيا ومن لك على سبيل المثال مواني:مقديشو، ومالندي، وممباسا وكلوا ....
ونقلنا عن المتحف البريطاني أن شرق إفريقيا ما بين 800-1500م:
(استفاد الجزء الغربي في المحيط الهندي بشكل كبير في التجارة من الرياح الموسمية ومن ذلك سلطنة كلوا الإسلامية والمدن التابعة لها (تنزانيا حاليا) حيث كانت مدنا تجارية ثرية وقوية على ساحل شرق إفريقيا وتظهر الأدلة الأثرية أن هذه المدن من بين أمور أخرى استوردت الفخار من الصين والشرق الأوسط
وكانت نفس هذه الموانئ تصدر بضائع من الذهب والعاج والخشب والعنبر
(مادة شمعية تستخرج من أمعاء الحيتان تستخدم في صناعة العطور) باتجاه الشرق وشرق البلاد).
كذلك وجدت علاقات تجارية ضاربة في القدم بين أهالي المنطقة وبين كل من الهند والصين ومع الفرس خاصة عند سيطرتهم وحكمهم لليمن في القرن السابع الميلادي حيث كانوا يتحكمون على تجارة اليمن مع الساحل الإفريقي
وهكذا كان الصراع والتنافس الدولي بين القوى العظمى - أي الروم والفرس - في ذلك الزمان يحتدم للتحكم على طريق الحرير التجاري الذي كان يمر عبر موانئ البحر الأحمر مما يبرهن على الأهمية الاستراتيجية المتميزة لهذا الممر البحري وموانئه منذ قديم الزمان وحتى اليوم
أهم وأقدم الحضارات بالقرن الإفريقي
أ/ حضارة كرمة
كان السودان القديم شهد ممالك وحضارات موغلة في القدم وكان يطلق على أهالي هذه المنطقة باسم الكوش، كما أن أول مملكة شيدها الكوش يطلق عليها باسم مملكة كرمة 2500-1500ق م.
حيث كانت تمتد من أسوان شمالا وحتى منطقة الشلال الثاني عند وادي حلفا كما توسعت هذه المملكة لاحقا بما يشمل إلى الجنوب من الشلال الثاني.
وفي القرن الثالث الميلادي أطلق الفراعنة على هذه المنطقة إثر الهجرات النوبية التي استقرت على ضفتي النيل باسم نوبيا إشارة للمنطقة الممتدة من أسوان أي جنوب مصر وحتى جزيرة تنقسي إلى الجنوب من دنقلا العجوز[i].
ب/ حضار ( نبته – مروي) (750 م – 350م)
ويعتبرنبتا من أهم مدن نوبا القديمة بل هي من عواصم الكوش الواقعة على الضفة الغربية لنهر النيل ( موقع كريمة الحالية بالسودان).
وكانت في عهد أسرة نوبا الخامس والعشرين قبل سقوطها في 663ق م. وهذا يدل على فترة من فترات عظمة وازدهار وقوة مملكة كوش السودانية وأنها نافست حضارة جارتها الشمالية بل من الثابت تاريخا أنها سيطرت وحكمت مصر الفرعونية خاصة غي عهد الأسرة الخامسة والعشرين.
ثم أعقبتها مملكة مروي920 ق م- 325م وكان حاضرتها مروي القديمة المعروفة بالبجراوية والتي تقع شمال مدينة شندي حوالي 200 كم شمال شرق الخرطوم.
بعد حوالي 300 قبل الميلاد استقرت القيادة الكوشتية في السهل الخصب لمنطقة بطانة، وبهذا أصبحت مدينة مروي مركزاً ذو أهمية استثنائية مما رشحها بأن تكون مقابر لملوك اللمملكة وقادتها وقد اشتهرت في عهد المروي مدن أخرى مثل المصورات ، وصفرا ، ونبتا .حيث تميزت هذه المدن بهياكلها الدينية المثيرة للإعجاب .
كما أدي النمو وزيادة الإنتاج الزراعي للمروي إلى توسع رقعتها وإعادة استطانها للنوبة السفلى بعد أن ظلت ذات كثافة سكانية منخفضىة نسبيا خلال المرحلة النبتية.
وقد عزز موقع مملكة مروي ضمن شبكة التجارة الإفريقية العلاقات التجارية مع عالم البحر الأبيض المتوسط. [ii].
ويقول البرفسيور عبد الله طيب : كان لمروي القديمة ملك عظيم ومصانع للحديد والزجاج وآثار تدل على صلة باليمن والبحر الهندي ومدنيات العالم القديمة
وقد أتيحت لي الفرصة بزيارتها أيام دراستي في السودان حيث شاهدت بنفسي على أهراماتها التي بنيت على شكل أهرامات مصر وكثرة مبانيها وآثارها التي لا تزال قائمة حتى اليوم وقد حكى لنا بعض المرشدين القائمين على هذه المدينة الأثرية بعراقة حضارة
مروي وأنها أقدم من الحضارة المصرية نفسها
وقد ساد انطباع لدى الباحثين وعلماء الأثار الغربيين بان حضارة كوش كانت امتداد للحضارة الفرعونية في مصر وأنها هي التي توسعت إلى الجنوب وشيدت حضارة كوش وأن العرق الإفريقي أو الزنجي لم يحظ بتطوير أي حضارة أو صناعة أو تجارة جذير بالذكر، وظلت هذه الفكرة سائدة لسنوات طويلة لدى علماء الآثار والحضارة المصرية القديمة مثل( جورج ريزنر)حتى تظافرت الأدلة منذ حوالي منتصف القرن العشرين لدي عديد من الباحثين وعلماء الآثار بأصالة وعراقة حضارة كوش وطابعها الإفريقي المتفرد والمستقل عن الحضارة المصرية .
بل ذهب بعض المؤرخين إلى القول بسبق الحضارة الكوشيه التي قامت ببلاد السودان حاليا على الحضارة المصرية القديمة فمن هؤلاء أوائل المؤرخين والجغرافيين من الإغريق أمثال
Hérodote et Diodore de sicile
حيث ذكروا بان الإثيوبيين من أقدم شعوب العالم وأنهم أحرار مستقلون لم يتعرضوا لهيمنة أمم أخرى
وأن المصرين كانوا يعتبرون الإثيوبيين أسلافهم المؤسسين لمعظم أنظمتهم فهم الذين علموهم تعظيم ملوكهم ودفن موتاهم مع كثير من التكريم والأبهة كماأن نشاة الكتابة وفن نحت التماثيل تعود إليهم. والمراد بالإثيوبيين هنا النوبا ذلك لأن اليونان كانوا يطلقون على أهالى هذه المنطقة بالإثيوبيين بمعنى ذوي الوجوه المحروق إشارة لسواد بشرتهم دون تميز بين شعوبها المختلفة.
وقد أكد العالم السنغالي الشيخ أنتا ديوب مسألة انحدار المصريين وحضارتهم المصرية من الجنوب أي من الكوش والنوبا وأن قدماء المصريين قدموا من جنوب مصر وان ممالك نوبا كانت سابقت لحضارة مصر بل كان لهم المساهمة في إنشاء تلك الحضارة
وبالجملة فإن هذه الفرضية المتعلقة بسبق الحضارة النوبية على الحضارة المصرية مسألة بها نظرلكن الشئ المؤكد هو استقلالية حضارة الكوشية عن الحضارة المصرية وقد أورد المؤرخون أمثلة عديدة لأوجه الإختلاف بين هذين الحضارتين كما سيأتينا لاحقا.
[i] عبد الرحيم محمد خبير مجلة دراسات إفريقية العدد 28ديسمبر 2002’مركز البحوث والدراسات الإفريقية الخرطوم السودان بالتصرف
[ii] منقول من المتحف البريطاني بلندن بالتصرف
ثانياً : حضارة أكسوم
تعتبر حضارة أكسوم أشهر وأقدم حضارة قامت بالحبشة وكان قيام مهد هذه المملكة وأول ظهورها في القرن الميلادي الأول في ميناء أدوليس الواقع على الساحل الغربي للبحر الأحمر وما يليها من المرتفعات الواقعة حاليا في أريتريا.
ويعود أصلها إلى مملكة سبأ التي كانت باليمن وفي هذا السياق تقول الدكتورة سامية (لا يعرف المؤرخون شيئا عن الكيفية أو العوامل التي أدت إلى ظهور هذه المملكة سوى أنها سيطرت على منطقة كانت منذ حوالي القرن السابع أو السادس قبل الميلاد تحت هيمنة مستوطنين ساميين من جنوب الجزيرة العربية)[1]
ومنذ القرن الميلادي الأول نجد سيطرت تشكيل ساسي جديد على مملكة أكسوم حيث وصفت هذه المملكة لأول مرة في المؤلف المسمى دليل البحر الإريتري الذي كتبه بحار إغريقي مجهول الاسم في بداية القرن الأول الميلادي وقد تحدث عن النشاط التجاري الذي كان مزدهرا فيها وكان يعتمد على تصدير العاج والذهب والعبيد وغيرها من السلع التجارية التي كانت تتبادل معها إلى كل من مصر وبلاد الروم والهند والسيلان والجزيرة العربية
هذا وكان المعتقد سائدا لدى الباحثيين الغربيين بأن هذه الحضارة تنحدر من الحضارة الفرعونية
نفس هذاالخطأ مع أنه من أوائل الغربيين الذي قاموا بالرحلة التي بداها من مصر BRUCEوقد وقع
مرورا بالسودان حتى دخل اثيوبيا عن طريق جوندر عام 1769م فتم تعيينه من قبل امبراطور الحبشة آنذاك حاكما لإقليم رأس الفيل حيث نقل لنا معلومات كثيرة واصفا بالتفصيل في كاتبه الرحلة إلى منابع النيل آثار الحضارة الأكسومية ومع ذلك اعتبر أن اصل الآثار الاكسومية تابع للآثار الفرعونية القديمة في مصر
بيد أنه في بداية القرن التاسع عشر تحقق لبعض العلماء ضمن الحملة الاستكشافية الغربية في جنوب الجزيرة العربية خاصة اليمن بأن جذورها تنحدر من حضارة سبأ وذلك من خلال التعرف على كتابات السبأئيين كما وجد في بعض نواحي مملكة أكسوم أيضا بأنها تحمل نفس الأسماء باليمن مثل عين سبا ومرب أي مأرب كما أن فنون العمارة وتشييد القصور والمعتقدات والممارسات الدينية تعكس التأثير اللغوي والثقافي بالحضارة السبئية لمملكة أكسوم .[2]
فلما تولى عرش مملكة أكسوم عيزانا (325-375م) وبعد أن ترك المعتقدات الوثنية السبئية و اعتنق المسيحية كما سياتينا لاحقا ففي عهده برز نجم المملكة بانتصاراته الكثيرة وتوسع رقعة مملكته فبعد ان استطاع أن يقضي على بعض الحركات التي ثارت ضده على المستوى الداخلي من قبائل أجيزات وأجوا يتوجه نحو بلاد البجة شمالا فيخضعها ثم يعبر نهرتنقستي أو نهر عطبرة بالسودان ليشن حملته الشهيرة ضد مملكة نوبا بمروي فيقوم بتدميرها وكان ذلك في القرن الرابع الميلادي[3]
وأبرز دليل على التوجه الجديد لملك عيزانا وما أعقب ذلك من الانتصارات الكبيرة التي حققها على المدن والممالك المجاورة له هو هذا التذكار المنقوش الذي عثر في أكسوم حيث حفظ منظومته التي كتبها بلغة الجئز حيث يذكر فيها انتصاراته معددا ألقابه بأنه
(ملك أكسوم وحمير وريدان وسبأ وصالحين وسيامو والبجة وكاسو )
[4]. والأربعة المدن التي تلي أكسوم تقع جميعها في اليمن وكاسو أو كاسي كما في بعض الروايات تعني كوش والمراد بها مملكة مروي ويشير في هذا النقش أنه خرج لقتال النوبة ذلك لأنهم رفضوا السلام بقتل رسل ومبعوثي السلام الذين ابتعثهم معتدين بقوتهم وبطشهم كما اعتادوا على مهاجمة جيرتهم
ولما انتصر عليهم ودمر وخرب مدنهم وتماثيلهم متعقبا فلولهم المنهزمين لثلاث وعشرون يوما رجع بغنائم وكنوز عظيمة
وهنا ملاحظة ينبغي اشارتها في سياق هذه المنقوش المنسوب إلى عيزانا وهي تلك الألقاب التي نعت بها ملك عزانا نفسه كما تقدم لنا فهل كان فعلا استطاع السيطرة على هذه المدن والممالك كلها؟
وبالرغم من شح المعلومات حول التفاصيل المتعلقة باتساع رقعة مملكته بيد أن بعض الإشارات التي ذكرها المؤرخون تؤكد على صحة هذه الألقاب وتحققها على أرض الواقع فمثلا نجد أن الحبشة في العهد الأكسومي وفي منتصف القرن الرابع الميلادي وصلت إلى أوج قوتها وازدهارها حيث توسعت رقعتها فاحتلت اليمن للمرة الأولى عام340م بعد ان عبروا البحر الأحمر واستمر احتلالهم لها حتى عام 374م[5]
كما توسعت شمالا وذلك بعد اكتساحها لبلاد البجة وهزيمتها لمملكة مروي حيث امتد ملكها إلى النيل معترضة بين مملكتي النوبة الشمالية التي كانت عاصمتها دنقلة والجنوبية التي كانت عاصمتها سوبا ومع ذلك يبدو أن حكمهم لبلاد النوبة والبجة لم يدم طويلا ذلك لأن النوبة الذين كانت مملكتهم في شمال مروي هم الذين ورثوا مملكة مروي بعد تدميرها[6]
ومع استهلال القرن السادس الميلادي تظهرمملكة أكسوم كقوة اقتصادية وعسكرية عظمى في منطقة القرن الإفريقي وتتوسع مملكتها شانها في ذلك مشابه عند تحولها للمسيحية في عهد ملك عيزانا أي في القرن الرابع الميلادي كما ذكرنا.
ومن أبرز الأحداث التي جرت في الربع الأول من القرن السادس الميلادي الحملة الشنيعة التي قام بها حاكم اليمن حينئذ الملقب بذي نواس الذي اعتنق اليهودية ، حيث شنَ حملة شعواء ضد المسيحيين من أهالي نجران بل وبالغ في اضطهادهم وتعذيبهم حيث شقَ لهم الأخذوذ وأشعل فيها النيران لصرفهم عن الإيمان بالله .وقد حكى القرآن قصتهم في سورة البروج موثقا هذا الحدث التاريخي والاضطهاد الديني الشنيع ضد أهل الإيمان
وقد تحرك ملك أكسوم الملقب ب غالب لنجدتهم حيث كوّن جيشا عظيما وعبر به البحر الأحمر حتى استطاع القضاء على ذي نواس وبذلك احتلت الحبشة اليمن للمرة الثانية، بقيادة أرياط وكان ذلك بحوالي 525م ثم انقلب عليه أبرهة الذي صار حاكما على اليمن ، وظلت الحبشة محتلة لليمن حتى استقلت بمساعدة الفرس عام 575م ثم ما لبثت حتى وقعت اليمن تحت سيطرت الفرس فظلوا يتعاقبون على حكمها حتى دخل آخر ملوكهم واسمه بآذان إلى الإسلام عام 628م [7]
وفي بدايات القرن السابع الميلادي أيضاً تقوم قبائل البجة بحملة توسعية كبيرة منطلقين من مناطقهم بالسودان نحو الجنوب حتى انتشروا على طول الساحل الإريتري متوغلين نحو الشمال الغربي حتى سيطروا على المرتفعات الإريترية[8]
وفي عهد الخلافة الأموية تتعرض طرق التجارة البحرية الواقعة على البحر الأحمر خاصة تلك التي تفصل بين جدة ومواني أكسوم بحملة من القرصنة التي كانت تنطلق من سواحل أكسوم دون أن تتدخل مملكة الأكسوم لمنعها، ثم تزداد وتيرة هجمات القراصنة حتى قاموا بالهجوم على ميناء جدة بالسعودية، ونتيجة لذلك قام الأمويون عام 702م بوضع حد لتلك الهجمات وذلك بالاستيلاء على جزر دهلك ومصوع، وأقاموا هناك حاميات لتجسد المواقع الأولى للحضارة الإسلامية بالمنطقة .
ويذكر المؤرخون أن هذه العوامل الثلاثة التي أشرنا إليها من إجلاء الحبشة من اليمن وسيطرة الفرس لها والحركة التوسعية لقبائل بجة التي سيطرت على رقعة واسعة من مناطق المملكة الأكسومية بالإضافة إلى قوة توسع الفتوحات الإسلامية كل هذه العوامل الخارجية إضافة إلى العامل الداخلي المتمثل بالصراعات الداخلية والحروب الأهلية للسيطرة على عرش المملكة الأكسومية كل ذلك أدى إلى تسرب الضعف إليها ثم إلى انهيارها في القرن السابع أو الثامن الميلادي حيث لم يبق منها سوى بعض الأظلال والآثار المتناثرة.
وبانسحاب مملكة أكسوم من منفذها البحري الوحيد وتقهقرها نحو مرتفعات لاستا، ثم بعدها إلى إقليم شوا تتحول قاعدة حكمها وعاصمتها من أكسوم إلى أنكوبر، وبهذا تدخل مرحلة ضعف وعزلة عن محيطها كما تنقطع علاقاتها مع العالم الخارجي إلاّ ما نذر
[1] د.سامية بشير دفع الله – تاريخ مملكة كوش ط \1 2005 ص 312
[2] DORESS P
[3]Doresseop.citp32
[4] سامية بشير المرجع السابق ص 315
[5]محمد سعيد نادو العروبة والإسلام بالقرن الإفريقي ص29
[6]عثمان صالح سبي ,علاقة السودان بإثيوبيا عبر التاريخ ص12
[7]المباركفوري ،الرحيق المختوم المرجع السابق ص 29وما بعدها
[8]Doresseop.cit p61
هذه الورقة جزء من ندوة استشرافية لآثار ووتداعيات ومالآت إعلان إسرائيل اعترافها بإقليم أرض الصومال جمهورية مستقلة ذات سيادة ، وخاصة هي المحور الثالث من محاورها إعداد / محمد طاهر روبله
: مقدمة
يجب فهم دور القرار في إعادة تشكيل توازنات المنطقة دراسة الهدف والغاية لكل من إسرائيل ووكيلتها الإمارات من جهة وأرض الصومال من جهة أخرى، وذلك من خلال قراءة متأنية للأهداف الاستراتيجية : التي يسعى كل طرف تحقيقه لصالحه، لهذا نناقش هذا الموضوع من خلال المحاور التالية
كان الفاعلون الإقليميون في هذه المنطقة إبان الحرب الباردة المملكة العربية السعودية ومصر بالإضافة إلى كل من إثيوبيا والصومال واليمن، غير أن المعادلات الإقليمية قد تبدلت منذ ما يقرب من عقدين ، إذ ظهر لاعبون جدد من الإقليم القريب متمثلا في كل من الإمارات وقطر على حساب كل من المملكة العربية السعودية ومصر ، فباتتا تتنافسان في التأثير على المنطقة من خلال القوة الناعمة، فأقامت الإمارات استثمارات كبيرة في جيبوتي في بداية الألفية الثالثة ) ميناء دورالي للحاويات ، والميناء البترولي، وفندق ).النخيل، والاستثمار في المجال العقاري ) عبر شركة لوتاه
كما أن قطر هي الأخرى تدخلت بين جيبوتي وإرتيريا في نزاعهما الحدودي بإقامة قاعدة عسكرية في الحدود لمنع توسع النزاع المسلح بينهما، وساهمت في تمويل مشاريع حيوية في الصومال حتى انحازت .الصومال لها في خلافها مع جارتيها السعودية والإمارات
وفي الوقت الذي كان يتزايد نشاط الإمارات وقطر في المنطقة كان الدور المصري والسعودي في تراجع. مستمر
كما أن دول المنطقة كانت تتفكك بفعل الصراعات السياسية والاثنية والقبلية، فكل من الصومال واليمن وإثيوبيا ما زالت تعاني من حروب أهلية مزمنة وخلافات سياسية ذو طابع معقد ومركب بين ما هو سياسي .وما هو اثني وقبلي
كما انضم إلى الفاعلين الإقليميين الجدد تركيا من الإقليم البعيد قبل نحو من عقد ونيف منذ زيارة الرئيس التركي للصومال إبان المجاعة الثانية في عام 2011 م حين كان رئيسا للوزراء، فتركيا منذ ذلك الوقت يتعزز وجودها في المنطقة عبر البوابة الصومالية، حتى أضحت الدولة الأولى إقليميا وعالميا لها دور فاعل في دعم عملية الاستقرار في الصومال من خلال تأهيل البنية التحتية والمرافق الاقتصادية كتطوير كل من ميناء مقديشو ومطارها، وتدريب القوات المسلحة الصومالية في داخل الصومال وتركيا ، ودعم ميزانية
الدولة سنويا حتى وقوع الزلزال المدمر في تركيا في عام 2021م بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بتوقيع اتفاقية .الحماية للسواحل الصومالية إثر توقيع مذكرة التفاهم بين كل من إثيوبيا وأرض الصومال لمدة عشر سنوات
كما أنها قامت بالتنقيب عن النفط والغاز في السواحل الصومالية والذي سيعقبه منح تركيا حق الامتياز في استخراجهما ، بالإضافة إلى إرسال قمر صناعي مرتقب من جنوب مقديشو ، هذه المؤشرات تدل على تبدل الاهتمامات للدول الإقليمية والبعيدة، ولعل آخر الفاعلين المتدخلين في المنطقة ) القرن الأفريقي ( تأزيما الكيان الصهيوني الذي استطاع الوصول إلى اليمن عبر البوابة الإماراتية التي سمحت لها بالتواجد في اليمن أمنيا واستخباراتيا منذ أن اقتطع جنوب اليمن عمليا من باقي البلد بفعل التصرفات الإماراتية، والذي انتهى بالإعلان المفاجئ باعتراف الكيان الصهيوني بأرض الصومال دولة ذات سيادة ، وذلك لإعادة تعريف مفهوم الحلفاء الجدد لها ) إسرائيل( بعد تآكل صورتها دوليا بعد طوفان الأقصى والإبادة الجماعية الذي ارتكبته ضد سكان قطاع عزة منذ عامين تقريبا، لبناء شراكات مع كيانات أقل ارتباطا بالبنى القانونية التقليدية ، أو بمعنى أدق تبادل الشرعية مع كيانات تبحث عن الشرعية بأي ثمن، وتملك موقعا استراتيجيا مقابل تقديم مكاسب استراتيجية لإسرائيل في المجالين الأمني والاستخباراتي بهدف إعادة تشكيل خرائط .النفوذ في منطقة القرن الأفريقي بشكل خاص والبحر الأحمر بشكل عام في ظل هشاشة النظام الإقليمي
كما انضاف إلى الفاعلين الإقليميين فواعل دولية، متمثلة في الصين ودول أوروبية واليابان ، والتي أنشأت قواعد عسكرية لها لأول مرة خارج حدودها كالصين واليابان وألمانيا، فهذه القوى الجديدة باتت تأخذ مواقع قوى عظمى كان لها تأثير في توجيه الصراعات الدولية، كروسيا التي تراجع دورها في التأثير على المنطقة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في أواخر التسعينيات من القرن المنصرم
ورغم صغر حجم المنطقة إلا أن أهميتها الاستراتيجية أملت الطامعين الجدد في ثرواتها ، مما بقي من القوى الاستعمارية التقليدية ، في ظل تصاعد منطق القوة والبراغماتية المفرطة ، في عالم أضحت الجغرافيا السياسية أكثر سيولة ، والدولة الوطنية أكثر هشاشة أمام الطموحات المسلحة للقوى الجديدة أو المتجددة ، وتراجع هذه النظم في ضبط إيقاع الاستقرار ، مما جعل القوى الجديدة والقديمة المتجددة تقوم بإعادة تشكيلها بما يحقق مصالحها الحيوية، ومحاولة الحيلولة دون نشوء كيانات لا تلبي متطلباتها ومصالحها .الأمنية والاقتصادية
نتيجة السيولة الأمنية في عالم ما بعد الحرب الباردة ظهر في العالم بشكل عام والمنطقة بشكل خاص فاعلون جدد لهم تأثير في ضبط إيقاع الأمن القومي ، وإعادة تشكيل المنطقة بشكل خاص، فالحركة الحوثية في اليمن منذ سيطرتها على الجزء الأكبر من شمال اليمن وانخراطها في إطار معركة طوفان الأقصى كان لها دور فاعل ومؤثر في أمن البحر الأحمر وخليج عدن، بل امتد تأثيرها على سلامة ملاحة البحر الأحمر وقناة السويس، حتى اضطرت الولايات المتحدة الأمريكية لتوقيع اتفاقية خاصة معها بعيدا عن إسرائيل لأول مرة بعدما باتت سفنها الحربية والتجارية معا في مرمى صواريخها التي أثخنت في جسد امريكا رغم جبروتها العسكري والاستخباراتي لما كان له الأثر الأكبر، كما أن الحركة الحوثية جعلت حياة الإسرائيليين في فلسطين التاريخية جحيما لا يطاق ، عندما اضطرتهم للجوء إلى الملاجئ بشكل شبه يومي، مما جعل إسرائيل تغير مفهوم أمنها القومي بالتحول إلى الانخراط في أنشطة البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، حيث عملت تل أبيب إلى تعزيز نفوذها عبر التحكم في ملاحة البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن لمواجهة الحوثيين وإيران من جهة وتوسيع مسار التطبيع والاتفاقات الإبراهيمية من جهة أخرى بهدف تمييع الإسلام الذي يراه الكيان الصهيوني العنصر المغذي لروح المقاومة في الأمة، خصوصا في عهد الرئيس الأميركي الحالي ) ترامب ( الذي يعتبر مسار التطبيع واتفاقات أبراهام أولوية .أميركية
كما أن حركة شباب المجاهدين هي الأخرى أحد الفواعل في التأثير على أمن المنطقة ، بدليل أن تصريحاتها لم تتأخر عبر الناطق باسمها الشيخ / علي الطويل الذي هدد كلا من أرض الصومال وإسرائيل بعد الإعلان عن اعتراف إسرائيل بالأخيرة ، وتحديد أهدافها وعنوان تهديداتها، وهذه التصريحات التي كانت متزامنة مع تصريحات عبد الملك الحوثي باستهداف كل من إسرائيل وأرض الصومال بل التهديد بمسح مدينتي هرجيسا وبربرة من الخارطة، هذا التزامن في التصريح بالاستهداف يؤكد على قدرتهما في .تنفيذ تهديداتهما على أرض الواقع
ولعل آخر الفواعل غير الدوليين هو مليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن الذي ترعاه الإمارات، والتي خططت أن تستلم اليمن من خلال دعمها اللامحدود لهذا الكيان الذي هيأته لإعلان الانفصال عن اليمن والاعتراف به بالتزامن مع اعتراف إسرائيل بأرض الصومال ، ولعل اتخاذ المملكة منذ يومين خطوات عقابية له ولراعيته ) الإمارات ( بضرب سفينتين محملتين بأسحلة من الفجيرة في الإمارات في ميناء المكلا ، وإعلان الحكومة اليمنية المقيمة في الرياض بإجراءات عقابية للإمارات ومليشيتها ) المجلس الانتقالي الجنوبي(، مؤشر على تأثير هذه القوى المتفلتة من القانون وأي تبعات سياسية، رغم ما لديها من التأثير العميق على مجريات الأحداث في المنطقة ، بل على مصالح العالم في منطقة شديدة الحساسية والأهمية .الاستراتيجية
في عالم شديد التحول والتغير ويعاني من سيولة أمنية ، فإن إعلان نتن ياهو عبر هاتفه اعترافه بإقليم أرض الصومال جمهورية مستقلة ذات سيادة، يقيم معه علاقات دبلوماسية عبر معاهدة ما تسمى بالإبراهيمية والتي يترتب عنها تهجير الفلسطينيين إلي إقليم من أقاليم الصومال وتأسيس قواعد عسكرية تنطلق منها طائرات الكيان الصهيوني لضرب دول الجوار القريب والبعيد ، وتحويل هذه المنطقة إلى منطقة تصفية الحسابات الجيوبولتيكية، فإن نتائج هذه التصرفات ستكون كارثية على أهل المنطقة المثقلة أصلا بحروبها المزمنة، مما سيؤدي إلى تشكل تحالفات واصطفافات جديدة ، ولهذا يمكن القول أن المنطقة مقبلة على أحد : احتمالين
الأول : تشكل تحالف إقليمي قوي قادر على إفشال المشروع الإماراتي الإسرائيلي الإثيوبي الموجه أمريكيا من وراء الكوليس نظر لقوة هذا التحالف وقدرته على تهديد مصالح القوى الكبرى ذات المصالح الاستراتيجية وعلى رأسها أمريكا والصين والمنظومة الأوروبية، هذا التحالف يتكون من ) الصومال ، أريتريا ، جيبوتي، المملكة العربية السعودية ، قطر، مصر ،السودان وتركيا ( ، ولعل الخطوات التي أتخذتها المملكة يوم أمس ضد الإمارات في اليمن ، وزيارة الرئيس الصومال لكل من جيبوتي وتركيا خلال اليومين الماضيين مؤشر على تشكل صياغة جديدة لمنظومة إقليمية قادرة على فرض رؤيتها على الآخرين ، وهذا هو المرجح ظهوره في قادم الأيام ، لأن الطرف الآخر ) الإمارات وإسرائيل ( لم يترك مساحة
. للمناورة لبقية أصحاب المصلحة في المتطقة
الثاني : بقاء الصراع مفتوحا، واستمرار الحروب بالوكالة، واستقرار الكيان الصهيوني في المنطقة، والنجاح في توسيع تحالفاته الإقليمية والدولية، وفتح خطوط استنزاف أخرى في المنطقة، مما يجعلها منطقة .مفتوحة للصراعات التي لا نهاية لها في الأمد القريب، وهذا الاحتمال أضعف من الاحتمال الأول
.توصيات ومقترحات
1/ العمل على توحيد الجبهة الداخلية وقيادة الرئيس حسن شيخ محمود مبادرة لجمع الأحزاب المعارضة
والموالاة وزعماء الأقاليم وأهل الرأي في المجتمع الصومالي لتحقيق وفاق وطني لمواجهة التحديات التيفرضت التي عليها
2/ العمل بشكل وثيق مع الحكومة الجيبوتية بما لديها من أوراق التأثير في الأقاليم المتاخمة لها ) اودل 2. وسلل( لتحقيق مصالحة داخلية بين قبائلها الرافضة أصلا للانفصال وجلب إسرائيل للمنطقة، وربما تكوين إقليم تابع للفيدرالية الصومالية مدعوما دعما امنيا وعسكريا وماليا من جيبوتي والدول المنخرطة في التحالف الجديد ، وذلك بهدف تقليص جغرافية الانفصال
3/ تقوية إقليم شمال شرق الصومال الذي عاد للفيدرالية الصومالية منذ عامين عسكريا وأمنيا واقتصاديا لمنع أي هجوم من الإقليم المنفصل الذي يريد فرض الانفصال على كل سكان الصومال البريطاني في شمال البلاد
4/ فتح حوار معمق مع الإدارة الانفصالية لإبعاد شبح انخراط إسرائيل في تعميق أزمات المنطقة وإبقاء
علاقات لها صفة الديمومة والاستمرارية ، وإبداء مرونة وتحقيق تنازلات سياسية لها مع دعم سخي من .الدول المانحة للعودة إلى حضن الدولة الصومالية، لتفويت حرب لا أفق لها
2/ انخراط سعودي وتركي ومصري بشكل أكبر لمعالجة معضلات المنطقة، من خلال دعم مبادرة
المصالحات الداخلية والمشاريع التنموية
3/ تنويع مصادر العلاقات مع القوى العظمى ، والتوزان الاستراتيجي مع الفاعلين الجدد المتدخلين بشكل.سلبي في أزمات المنطقة المستعصية أصلا.
* الإستاذ محمد طاهر روبله كاتب وباحث ومستشار لمركزالقرن للتنمية والاستشارات