*بقلم الأستاذ / محمد طاهر روبله
دور القرار في إعادة تشكيل توازنات القرن الأفريقي
هذه الورقة جزء من ندوة استشرافية لآثار ووتداعيات ومالآت إعلان إسرائيل اعترافها بإقليم أرض الصومال جمهورية مستقلة ذات سيادة ، وخاصة هي المحور الثالث من محاورها إعداد / محمد طاهر روبله
: مقدمة
يجب فهم دور القرار في إعادة تشكيل توازنات المنطقة دراسة الهدف والغاية لكل من إسرائيل ووكيلتها الإمارات من جهة وأرض الصومال من جهة أخرى، وذلك من خلال قراءة متأنية للأهداف الاستراتيجية : التي يسعى كل طرف تحقيقه لصالحه، لهذا نناقش هذا الموضوع من خلال المحاور التالية
.المحور الأول : الفاعلون الجدد ومحاولة هندسة المنطقة
كان الفاعلون الإقليميون في هذه المنطقة إبان الحرب الباردة المملكة العربية السعودية ومصر بالإضافة إلى كل من إثيوبيا والصومال واليمن، غير أن المعادلات الإقليمية قد تبدلت منذ ما يقرب من عقدين ، إذ ظهر لاعبون جدد من الإقليم القريب متمثلا في كل من الإمارات وقطر على حساب كل من المملكة العربية السعودية ومصر ، فباتتا تتنافسان في التأثير على المنطقة من خلال القوة الناعمة، فأقامت الإمارات استثمارات كبيرة في جيبوتي في بداية الألفية الثالثة ) ميناء دورالي للحاويات ، والميناء البترولي، وفندق ).النخيل، والاستثمار في المجال العقاري ) عبر شركة لوتاه
كما أن قطر هي الأخرى تدخلت بين جيبوتي وإرتيريا في نزاعهما الحدودي بإقامة قاعدة عسكرية في الحدود لمنع توسع النزاع المسلح بينهما، وساهمت في تمويل مشاريع حيوية في الصومال حتى انحازت .الصومال لها في خلافها مع جارتيها السعودية والإمارات
وفي الوقت الذي كان يتزايد نشاط الإمارات وقطر في المنطقة كان الدور المصري والسعودي في تراجع. مستمر
كما أن دول المنطقة كانت تتفكك بفعل الصراعات السياسية والاثنية والقبلية، فكل من الصومال واليمن وإثيوبيا ما زالت تعاني من حروب أهلية مزمنة وخلافات سياسية ذو طابع معقد ومركب بين ما هو سياسي .وما هو اثني وقبلي
كما انضم إلى الفاعلين الإقليميين الجدد تركيا من الإقليم البعيد قبل نحو من عقد ونيف منذ زيارة الرئيس التركي للصومال إبان المجاعة الثانية في عام 2011 م حين كان رئيسا للوزراء، فتركيا منذ ذلك الوقت يتعزز وجودها في المنطقة عبر البوابة الصومالية، حتى أضحت الدولة الأولى إقليميا وعالميا لها دور فاعل في دعم عملية الاستقرار في الصومال من خلال تأهيل البنية التحتية والمرافق الاقتصادية كتطوير كل من ميناء مقديشو ومطارها، وتدريب القوات المسلحة الصومالية في داخل الصومال وتركيا ، ودعم ميزانية
الدولة سنويا حتى وقوع الزلزال المدمر في تركيا في عام 2021م بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بتوقيع اتفاقية .الحماية للسواحل الصومالية إثر توقيع مذكرة التفاهم بين كل من إثيوبيا وأرض الصومال لمدة عشر سنوات
كما أنها قامت بالتنقيب عن النفط والغاز في السواحل الصومالية والذي سيعقبه منح تركيا حق الامتياز في استخراجهما ، بالإضافة إلى إرسال قمر صناعي مرتقب من جنوب مقديشو ، هذه المؤشرات تدل على تبدل الاهتمامات للدول الإقليمية والبعيدة، ولعل آخر الفاعلين المتدخلين في المنطقة ) القرن الأفريقي ( تأزيما الكيان الصهيوني الذي استطاع الوصول إلى اليمن عبر البوابة الإماراتية التي سمحت لها بالتواجد في اليمن أمنيا واستخباراتيا منذ أن اقتطع جنوب اليمن عمليا من باقي البلد بفعل التصرفات الإماراتية، والذي انتهى بالإعلان المفاجئ باعتراف الكيان الصهيوني بأرض الصومال دولة ذات سيادة ، وذلك لإعادة تعريف مفهوم الحلفاء الجدد لها ) إسرائيل( بعد تآكل صورتها دوليا بعد طوفان الأقصى والإبادة الجماعية الذي ارتكبته ضد سكان قطاع عزة منذ عامين تقريبا، لبناء شراكات مع كيانات أقل ارتباطا بالبنى القانونية التقليدية ، أو بمعنى أدق تبادل الشرعية مع كيانات تبحث عن الشرعية بأي ثمن، وتملك موقعا استراتيجيا مقابل تقديم مكاسب استراتيجية لإسرائيل في المجالين الأمني والاستخباراتي بهدف إعادة تشكيل خرائط .النفوذ في منطقة القرن الأفريقي بشكل خاص والبحر الأحمر بشكل عام في ظل هشاشة النظام الإقليمي
كما انضاف إلى الفاعلين الإقليميين فواعل دولية، متمثلة في الصين ودول أوروبية واليابان ، والتي أنشأت قواعد عسكرية لها لأول مرة خارج حدودها كالصين واليابان وألمانيا، فهذه القوى الجديدة باتت تأخذ مواقع قوى عظمى كان لها تأثير في توجيه الصراعات الدولية، كروسيا التي تراجع دورها في التأثير على المنطقة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي في أواخر التسعينيات من القرن المنصرم
ورغم صغر حجم المنطقة إلا أن أهميتها الاستراتيجية أملت الطامعين الجدد في ثرواتها ، مما بقي من القوى الاستعمارية التقليدية ، في ظل تصاعد منطق القوة والبراغماتية المفرطة ، في عالم أضحت الجغرافيا السياسية أكثر سيولة ، والدولة الوطنية أكثر هشاشة أمام الطموحات المسلحة للقوى الجديدة أو المتجددة ، وتراجع هذه النظم في ضبط إيقاع الاستقرار ، مما جعل القوى الجديدة والقديمة المتجددة تقوم بإعادة تشكيلها بما يحقق مصالحها الحيوية، ومحاولة الحيلولة دون نشوء كيانات لا تلبي متطلباتها ومصالحها .الأمنية والاقتصادية
.المحور الثاني : دور الفواعل غير الدوليين في التأثير على المنطقة
نتيجة السيولة الأمنية في عالم ما بعد الحرب الباردة ظهر في العالم بشكل عام والمنطقة بشكل خاص فاعلون جدد لهم تأثير في ضبط إيقاع الأمن القومي ، وإعادة تشكيل المنطقة بشكل خاص، فالحركة الحوثية في اليمن منذ سيطرتها على الجزء الأكبر من شمال اليمن وانخراطها في إطار معركة طوفان الأقصى كان لها دور فاعل ومؤثر في أمن البحر الأحمر وخليج عدن، بل امتد تأثيرها على سلامة ملاحة البحر الأحمر وقناة السويس، حتى اضطرت الولايات المتحدة الأمريكية لتوقيع اتفاقية خاصة معها بعيدا عن إسرائيل لأول مرة بعدما باتت سفنها الحربية والتجارية معا في مرمى صواريخها التي أثخنت في جسد امريكا رغم جبروتها العسكري والاستخباراتي لما كان له الأثر الأكبر، كما أن الحركة الحوثية جعلت حياة الإسرائيليين في فلسطين التاريخية جحيما لا يطاق ، عندما اضطرتهم للجوء إلى الملاجئ بشكل شبه يومي، مما جعل إسرائيل تغير مفهوم أمنها القومي بالتحول إلى الانخراط في أنشطة البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، حيث عملت تل أبيب إلى تعزيز نفوذها عبر التحكم في ملاحة البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن لمواجهة الحوثيين وإيران من جهة وتوسيع مسار التطبيع والاتفاقات الإبراهيمية من جهة أخرى بهدف تمييع الإسلام الذي يراه الكيان الصهيوني العنصر المغذي لروح المقاومة في الأمة، خصوصا في عهد الرئيس الأميركي الحالي ) ترامب ( الذي يعتبر مسار التطبيع واتفاقات أبراهام أولوية .أميركية
كما أن حركة شباب المجاهدين هي الأخرى أحد الفواعل في التأثير على أمن المنطقة ، بدليل أن تصريحاتها لم تتأخر عبر الناطق باسمها الشيخ / علي الطويل الذي هدد كلا من أرض الصومال وإسرائيل بعد الإعلان عن اعتراف إسرائيل بالأخيرة ، وتحديد أهدافها وعنوان تهديداتها، وهذه التصريحات التي كانت متزامنة مع تصريحات عبد الملك الحوثي باستهداف كل من إسرائيل وأرض الصومال بل التهديد بمسح مدينتي هرجيسا وبربرة من الخارطة، هذا التزامن في التصريح بالاستهداف يؤكد على قدرتهما في .تنفيذ تهديداتهما على أرض الواقع
ولعل آخر الفواعل غير الدوليين هو مليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن الذي ترعاه الإمارات، والتي خططت أن تستلم اليمن من خلال دعمها اللامحدود لهذا الكيان الذي هيأته لإعلان الانفصال عن اليمن والاعتراف به بالتزامن مع اعتراف إسرائيل بأرض الصومال ، ولعل اتخاذ المملكة منذ يومين خطوات عقابية له ولراعيته ) الإمارات ( بضرب سفينتين محملتين بأسحلة من الفجيرة في الإمارات في ميناء المكلا ، وإعلان الحكومة اليمنية المقيمة في الرياض بإجراءات عقابية للإمارات ومليشيتها ) المجلس الانتقالي الجنوبي(، مؤشر على تأثير هذه القوى المتفلتة من القانون وأي تبعات سياسية، رغم ما لديها من التأثير العميق على مجريات الأحداث في المنطقة ، بل على مصالح العالم في منطقة شديدة الحساسية والأهمية .الاستراتيجية
. المحور الثالث : مالآت التشكلات والتوازنات في المنطقة
في عالم شديد التحول والتغير ويعاني من سيولة أمنية ، فإن إعلان نتن ياهو عبر هاتفه اعترافه بإقليم أرض الصومال جمهورية مستقلة ذات سيادة، يقيم معه علاقات دبلوماسية عبر معاهدة ما تسمى بالإبراهيمية والتي يترتب عنها تهجير الفلسطينيين إلي إقليم من أقاليم الصومال وتأسيس قواعد عسكرية تنطلق منها طائرات الكيان الصهيوني لضرب دول الجوار القريب والبعيد ، وتحويل هذه المنطقة إلى منطقة تصفية الحسابات الجيوبولتيكية، فإن نتائج هذه التصرفات ستكون كارثية على أهل المنطقة المثقلة أصلا بحروبها المزمنة، مما سيؤدي إلى تشكل تحالفات واصطفافات جديدة ، ولهذا يمكن القول أن المنطقة مقبلة على أحد : احتمالين
الأول : تشكل تحالف إقليمي قوي قادر على إفشال المشروع الإماراتي الإسرائيلي الإثيوبي الموجه أمريكيا من وراء الكوليس نظر لقوة هذا التحالف وقدرته على تهديد مصالح القوى الكبرى ذات المصالح الاستراتيجية وعلى رأسها أمريكا والصين والمنظومة الأوروبية، هذا التحالف يتكون من ) الصومال ، أريتريا ، جيبوتي، المملكة العربية السعودية ، قطر، مصر ،السودان وتركيا ( ، ولعل الخطوات التي أتخذتها المملكة يوم أمس ضد الإمارات في اليمن ، وزيارة الرئيس الصومال لكل من جيبوتي وتركيا خلال اليومين الماضيين مؤشر على تشكل صياغة جديدة لمنظومة إقليمية قادرة على فرض رؤيتها على الآخرين ، وهذا هو المرجح ظهوره في قادم الأيام ، لأن الطرف الآخر ) الإمارات وإسرائيل ( لم يترك مساحة
. للمناورة لبقية أصحاب المصلحة في المتطقة
الثاني : بقاء الصراع مفتوحا، واستمرار الحروب بالوكالة، واستقرار الكيان الصهيوني في المنطقة، والنجاح في توسيع تحالفاته الإقليمية والدولية، وفتح خطوط استنزاف أخرى في المنطقة، مما يجعلها منطقة .مفتوحة للصراعات التي لا نهاية لها في الأمد القريب، وهذا الاحتمال أضعف من الاحتمال الأول
.توصيات ومقترحات
.أ. توصيات ومقترحات للحكومة الصومالية
1/ العمل على توحيد الجبهة الداخلية وقيادة الرئيس حسن شيخ محمود مبادرة لجمع الأحزاب المعارضة
والموالاة وزعماء الأقاليم وأهل الرأي في المجتمع الصومالي لتحقيق وفاق وطني لمواجهة التحديات التيفرضت التي عليها
2/ العمل بشكل وثيق مع الحكومة الجيبوتية بما لديها من أوراق التأثير في الأقاليم المتاخمة لها ) اودل 2. وسلل( لتحقيق مصالحة داخلية بين قبائلها الرافضة أصلا للانفصال وجلب إسرائيل للمنطقة، وربما تكوين إقليم تابع للفيدرالية الصومالية مدعوما دعما امنيا وعسكريا وماليا من جيبوتي والدول المنخرطة في التحالف الجديد ، وذلك بهدف تقليص جغرافية الانفصال
3/ تقوية إقليم شمال شرق الصومال الذي عاد للفيدرالية الصومالية منذ عامين عسكريا وأمنيا واقتصاديا لمنع أي هجوم من الإقليم المنفصل الذي يريد فرض الانفصال على كل سكان الصومال البريطاني في شمال البلاد
4/ فتح حوار معمق مع الإدارة الانفصالية لإبعاد شبح انخراط إسرائيل في تعميق أزمات المنطقة وإبقاء
علاقات لها صفة الديمومة والاستمرارية ، وإبداء مرونة وتحقيق تنازلات سياسية لها مع دعم سخي من .الدول المانحة للعودة إلى حضن الدولة الصومالية، لتفويت حرب لا أفق لها
. ب . توصيات ومقترحات لدول الإقليم
1/ تقديم دعم مالي لكل من الصومال والسودان ، لإبقاء جذوة الصمود متقذة لهما ، لمنع السقوط والفشل
2/ انخراط سعودي وتركي ومصري بشكل أكبر لمعالجة معضلات المنطقة، من خلال دعم مبادرة
المصالحات الداخلية والمشاريع التنموية
3/ تنويع مصادر العلاقات مع القوى العظمى ، والتوزان الاستراتيجي مع الفاعلين الجدد المتدخلين بشكل.سلبي في أزمات المنطقة المستعصية أصلا.
* الإستاذ محمد طاهر روبله كاتب وباحث ومستشار لمركزالقرن للتنمية والاستشارات
المجالات المجالات